الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

252

نفحات القرآن

ويُستَشفُ منها أيضاً معنى الهدوء والسكينة . قال البعض : إنّ هذا التعبير إشارة لطيفة إلى هذه الحقيقة وهي أنّ دار الدنيا ليست مأوى الإنسان ( أي ليست دار مقّره النهائي ) ، بل هي ممر يجتازه ، أو كما وصفتها الرواية المشهورة « الدنيا قنطرة » فهي ليست محل استقرار وثبات . ولا يخفى أنّ مثل هذا الوصف ينطبق على جميع الجنّة ، ومع ذلك فقد نُقِل عن ابن عبّاس أنّه قال : حدائق الجنّة ثمان : إحداها جنّة المأوى ، وسواها هي « دار الجلال » و « دارالقرار » و « دار السلام » و « جنّة عدن » و « جنّة الخلد » و « جنّة الفردوس » و « جنّة النعيم » . سبق أن قلنا أنّ « النزل » تعني أول مايُستقبل به الضيف ( كما يُستقبل اليوم مثلًا بالعصير أو الماء البارد أو الشاي ) . وإذا كان الأمر كذلك فهو يدل على أنّ جنات المأوى - رغم سعتها وعظمتها - فهي أدنى درجات الاستقبال لعباد اللَّه المخلصين ! وعلى هذا فإنّ الاستقبال والتكريم الأساس لهم هي تلك النعم التي تتضاءل أمامها جّنات المأوى ، وهي ليست سوى قرب الإله ولقائه وجنّة معرفة جلاله وجماله . التعبير الآخر الذي استخدمه القرآن الكريم لوصف مستقر هذه الرحمة الإلهيّة الكبرى هو « جنات الفردوس » إذ يقول القرآن في هذا الصدد : « انَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِردَوسِ نُزُلًا » . هناك اختلاف بين المفسرين وأصحاب اللغة في أصل كلمة ( فردوس ) هل هي رومية أم سريانية أم نبطية أم حبشية أم عربية ؟ كما اعتبرها البعض فارسية الأصل تحوّرت إلى « پراديزس » و « پراديز » ثم إلى « فردايس » و « فردوس » . وقد ذكروا معاني عديدة لهذه الكلمة ؛ منها : الحديقة والبُستان ، وحدائق العنب والحدائق الشاملة لكل الأزهار والثمار ، والحدائق المغطّاة بالأشجار والتي تحوي الكثير من المياه ، وأحياناً الحاوية للكثير من العنب .